عطية يعلن استراتيجية العمل الرقابي لعام 2019:الإجراءات ستكون استثنائية   -   بعد إبعاد أولادها عنها... نادين الراسي تهاجم والدة طليقها بكلمات نابية لماذا؟   -   خفايا أزمة القطاع العقاري: مشاريع جُمّدت.. وهذا ما ينتظر اللبنانيين!   -   فضل شاكر "تعبان".. وهذا ما كشفه نجله!   -   بين الحريري وباسيل... سلسلة مفترحات لسحب ذرائع التعطيل   -   جنبلاط: وئام وهاب جلب سلاحه من أحد دكاكين بشار الأسد   -   ختم التحقيقات الأولية مع 57 من مناصري وهاب   -   ابي رميا لراغب علامة: عمل نواب "الوطني الحر" يصب لهدف واحد.. "انو ما يطير البلد"   -   حاصباني: إذا وفّرنا في قطاع الكهرباء يمكننا رد العجز   -   راغب علامة يحذّر “الطبقة السياسية والسياسيون”   -   "إنتحاري الكوستا" الذي زنّر نفسه بـ 8 كلغ من المواد المتفجرة.. مريض نفسياً!   -   اللواء فرنسوا الحاج لباسل الأسد "أعلى ما في خيلك اركبه"   -  
وجهةُ نظرٍ... 22 تشرين الثَّاني أم تأريخٌ آخرُ؟!
تمّ النشر بتاريخ: 2018-11-21
خلال القرنِ الخامس عشر وبدايةِ القرنِ السّادس عشر، شهدت منطقتُنا حروبًا وصراعاتٍ كبيرةً بين المماليكِ والعثمانيّين، وبدا واضحًا بأنَّ استمرارَ الاثنينِ بات مُستحيلًا. فالبقاءُ للأقوى.

ومع حلولِ صيفِ 1516 احتدمتِ المعاركُ واقتربَ الحسمُ. وفي آب 1516، وبعد معركةِ "مرج دابق" وهزيمةِ المماليكِ المُدوِّيةِ أمامَ جيوشِ السّلطانِ سليم الأوّل العثمانيِّ، خضعتِ المنطقةُ الممتدّةُ من شمالِ أفريقيا غربًا مرورًا بشبهِ الجزيرةِ العربيّةِ جنوبًا حتّى حدود روسيا والبلقان شمالًا والحدود الإيرانّية شرقًا، لسيطرةِ العثمانيّين وحكمِهم، شاملةً ما هو معروفٌ اليومَ بلبنان وسورية والعراق والأردن ...

دامَتْ سطوتُهم علينا على مدى أربعةِ قرونٍ، حملَتْ معها جهلًا وقمعًا وتخلّفًا كانَ امتدادًا طبيعيًّا لجهلٍ وقمعٍ وتخلُّفٍ، بدأَ في شباط 1258 مع إحراقِ مكتبةِ بغدادَ وبدءِ عصرِ الانحطاطِ.

بدأتِ الحربُ العالميّةُ الأولى في تمّوز 1914 فتحالفَ العثمانيّون مع الألمانِ.

انتهتِ الحربُ بهزيمةِ الألمانِ واندحارِ الجيوشِ العثمانيّةِ وانسحابِها من (بلادنا) بعد أربعماية سنةٍ ونيّفٍ من الاحتلالِ.

إنّ الثّقافةَ الاجتماعيّةَ والسّياسيّةَ الموحَّدةَ لشعبٍ ما، يعيشُ ويستمرُّ في بلد ما؛ إنّما تحتاجُ إلى نَسَقٍ تواتريٍّ محددٍّ بذاتهِ، ينتقلُ من الآباءِ إلى الأبناءِ فالأحفادِ، من أجلِ تكوينِ هذا المفهومِ المُوحَّدِ اجتماعيًّا وسياسيًّا بُغيةَ تطوّرِهِ إلى درجةِ الثّقافةِ بمعناها الأشملِ.

إنّ شعبًا خضعّ لأربعمايةِ سنة – متّصلة بثلاثماية من قبلها – لكلِّ ظروفِ القمعِ الجسديِّ، والتّدجينِ الفكريِّ وغيبوبةِ التّثقيفِ السّياسيِّ على وجهِ التّحديدِ، هو ما حدا - بعدَ نهايةِ الحربِ العالميّةِ الأولى – بأحدِ عمالقةِ الفكرِ الحقوقيِّ والسّياسيِّ في العالمِ، وأعني به الرّئيس الأميريكيِّ الرّاحلِ "وودرو ولسن"Woodrow Wilson، إلى اقتراحِ فكرةِ الانتدابِ وتبنّيها، وهي الّتي بحسب مفهوم ولسن وتوقّعهِ، تنقلُ منطقةً أو بلدًا ما، كان خاضعًا للاحتلالِ ولم يكنْ لشعبِهِ هذا المفهومُ الموحَّدُ للاجتماعِ والسّياسةِ، وبمعنى أشمل، لمْ تكنْ لشعبِهِ الرّؤيةُ الواضحةُ اجتماعيًّا وسياسيًّا لهذا المفهومِ الموحّدِ للاجتماعِ والسّياسةِ.

فكانت فكرةُ ولسن بتوكيلِ أحدِ البلدانِ الكبيرةِ المُنتصرةِ في الحربِ والّتي لها باعٌ طويلٌ في الإدارةِ الاجتماعيّةِ والسّياسيّةِ، بأنْ تقومَ بما هو لازمٌ لإيصالِ هذهِ المنطقةِ أو ذلكَ البلدِ إلى هذا المفهومِ من الإدارةِ. فكانَ الانتدابُ، وكانَتْ فرنسا المُنتدَبة على لبنان.

إنّهُ وبغضِّ النّظر عن المسألةِ الشّرقيّةِ الّتي بدأَ تداولُها بينَ الأقطابِ الأوروبيّين في القرنِ التّاسع عشر، وما تولَّدَ إثرها من اتفاقيّاتٍ جانبيّةٍ ثنائيّةٍ كـ "سايكس بيكو" و"وعد بلفور"؛ فالأراضي العثمانيّةُ الواسعةُ الشّاسعةُ قد تمَّ تقسيمُها، ووُلد لبنانُ الكبيرُ في الأوّلِ من أيلول 1920، وبقيَ الفرنسيّون في هذا اللّبنان الكبير حتّى نهايةِ عام 1946.

إذا كانَ للزّمنِ أن يعيدَكم مئة سنةٍ إلى الوراءِ، فتجدكم أمامَ نفرٍ من الشّبابِ اللّبنانيِّ، في دولتِهم الجديدةِ، سائلينَ إيّاهم عن مجموعةٍ كبيرةٍ من التّعابيرِ والمصطلحات، لما كانَ واحدٌ منهم أن يجيبكَم بكلمةٍ:

فلو سألتموهم عن تعابيرَ كالجمهوريّةِ، أو رئيسِ الجمهوريّةِ، أو دستورٍ، أو تعديلِ دستورٍ، أو برلمانٍ، أو انتخاباتٍ نيابيّةٍ وانتخابِ مجلسِ شيوخٍ، وحكومةٍ، ووزراءَ، وثقةٍ، وحجبِ ثقةٍ...

لو سألتموهم عن مصطلحاتٍ كمجلسِ القضاءِ، أو قوانينِ الملكيّةِ العقاريّةِ والمساحةِ، وقانونِ الأحوالِ الشّخصيّةِ، وأصولِ المحاكماتِ، وقانونِ السّيرِ، وتنظيمِ الشّرطةِ...

أو سألتموهم رأيَهم حولَ مصطلحاتٍ كبرامجِ البكالوريا والمناهجِ التّعليميّةِ، وتأسيسِ النّقاباتِ، وإصدارِ عملةٍ وطنيّةٍ، وبناءِ الجسورِ والوزاراتِ والأماكنِ الحكوميّةِ والإداريّةِ، وتأسيسِ فرق مسلّحةٍ لضبطِ الأمنِ، والإعدادِ لجيشٍ وطنيٍّ...

هذه التّعابيرُ والمصطلحاتُ وغيرُها كثيرٌ، لم تكن قد دخلت حياةَ لبنانِنا قبل سنة 1920، وهي دخلَتْهُ وأصبحت جُزءًا من تكوينهِ الاجتماعيِّ والسّياسيِّ الجديدِ مع دخولِ الفرنسيّين إليهِ.
فلو سألتم عن أيِّ تعبيرٍ أو عن أيِّ مصطلحٍ قبلَ عام 1920 لما وجدتُم إجابةً.

لا يفهمَنَّ أحدٌ من كلامي بأنّني أُنَصِّبُ نفسي مُحاميًا للدّفاعِ عن حقبةِ الفرنسيّين في لبنان.

إنَّ أحداثًا ومواقفَ كثيرةً للفرنسيّين إبَّانَ فترةِ انتدابِهم على لبنان، ستبقى محطّاتٍ سوداءَ كبيرةً على صفحاتِ تلكَ الحقبةِ، وما تمَّ نسيانُها – ولا أقول محوَها – إلّا بعدَ سنواتٍ طويلةٍ...

ولعلَّ أهمَّ عاملٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ أَرْسَتْهُ فترةُ الانتدابِ هذهِ، هو هذا المفهوم للثّقافةِ الاجتماعيّةِ والسّياسيّةِ الّذي بدأَ بغزوِ أفكارِ اللّبنانيّين على مختلفِ انتماءاتِهم، فيبحثون جديًّا عن كيفيّة المحافظةِ على هذا الوطن (السّياسيِّ) الجديدِ الّذي جَمَعَهُم تحتَ سقفٍ واحدٍ لأوّلِ مرّةٍ في تاريخِهم.

ليسَ الإنسانُ وحدَهُ مفطورًا على الطّمعِ. إنّما المجتمعاتُ والبلدانُ إنْ لم يكنْ لها رادعٌ فطمعُها أكبرُ وأخطرُ.

طمعت فرنسا بأن تبقى مدّةً أطول في لبنان.

حدثَ ميثاقُ الأطلسيِّ في آب 1941، وأَمَلَ اللّبنانيّون وغيرُهم من الشّعوبِ المنتدبةِ في يومٍ قريبٍ يخرجُ الوصيُّ من بيتِهم ليفسحَ لهم المجالَ بإدارتِهِ. (بحسب توصياتِ روزفلت وتشرشل)

تمَّ تعديلُ الدّستورِ في تشرين الثاني 1943، فحدثتِ الأزمةُ التّاريخيّةُ، وسُجنَ كبارُنا في راشيّا وأُطلقوا في 22 تشرين الثّاني، وتحرَّرَ الدّستورُ من الانتدابِ.

صارَ يومُ استقلالِنا.

رائعٌ جدًّا! وبتنا وفي كلِّ سنةٍ نحتفلُ باستقلالِنا ونحتفلُ في 22 تشرين الثّاني. 

إنَّ الحركةَ السوسيوبوليتكيّةَ لشعبٍ ما، هي حتمًا غيرُ مستقرّةٍ وغيرُ ثابتةٍ، بل على العكسٍ تمامًا. فإنّها تتغيّرُ حتمًا تبعًا لظرفٍ كبيرٍ جديدٍ، أو تبعًا لتغيّرٍ شبهٍ كلّيٍّ في المجتمعِ والبلدِ.

منذُ 22 تشرين الثّاني 1943 مرورًا بخمسينيّات وستينيّات القرنِ الماضي، مرّت على وطنِنا الكثيرُ من الهّباتِ الاجتماعيّةِ والسّياسيّةِ، ولكنّها ما كانت لتزعزعَ أسـسَـُه أو لتغيّرَ المفهومَ الاجتماعيَّ والسّياسيَّ الّذي بدأَ ينتقلُ من جيلٍ إلى جيلٍ، ليس فقط منذُ تشرين 1943، بل أيضًا وتقهقرًا في الزّمنِ منذُ ولادةِ الدّستورِ في أيّار 1926. 

وكانَ الزّلزالُ الكبيرُ في نيسان 1975.

كلّنا نذكرُ جيّدًا، إبّان عهد الرّئيسِ الرّاحلِ إلياس سركيس الّذي تسلّمَ الحكمَ في أيلول 1976 واستمرَّ حتّى أيلول 1982، كيفَ كانَ يظهرُ بلباسهِ الرّسميِّ الأبيضِ معَ رئيسِ وزرائِهِ المرحوم رشيد كرامة أو المرحوم شفيق الوزّان وغيرهم، ورئيس المجلس النّيابيِّ المرحوم كامل الأسعد على شاشةِ التّلفزيون المشوّشةِ
غيرِ الجليّةِ وغيرِ الواضحةِ في كلِّ 22 تشرين الثّاني وهم يستعرضون مع نوّاب ووزراء ورسميّين العرضَ العسكريَّ للجيشِ اللّبنانيِّ بمناسبة "الاستقلال"!!

وتتساقطُ القذائفُ على روؤِسنا وتحتلُّ الجيوشُ أرضَنا ويُذبحُ أولادُنا على الهويّةِ.

ويستمرُّ المشهدُ نفسُهُ معَ تغييرٍ لبعضِ الوجوهِ في عهدِ الرّئيسِ أمين الجميل (1982 – 1988)

وتتساقطُ القذائفُ على روؤِسنا وتحتلُّ الجيوشُ أرضَنا ويُذبحُ أولادُنا على الهويّةِ.

ويستمرُّ المشهدُ أيضًا بينَ 1988 وإعلانِ اتّفاقِ الطّائفِ وتعديلِ الدّستورِ في 1990.

ويستمرُّ المشهدُ أيضًا بين 1990 و 25 أيّار 2000 يومَ تمَّ تحريرُ الجنوبِ من الإسرائليّين.

وتستمرُّ جيوشٌ أخرى باحتلالِ ممتلكاتِنا واغتصابها، واتّخاذِ القراراتِ عنّا.

ويستمرُّ ويستمرُّ بينَ أيّار 2000 و26 نيسان 2005 يومَ خروجِ آخرِ جنديٍّ سوريٍّ من لبنان.

تُرى، أَلَمْ يكن الحريُّ بنا أن نوقفَ الاحتفالَ بعيدِ الاستقلالِ لآخرِ مرّةٍ في 22 تشرين الثّاني 1974؟!

أَلَمْ تكن ذكرى الاستقلالِ في 22 تشرين الثّاني 1975 مهزلةَ المهازلِ؟

أَلَمْ تكن ذكرى الاستقلالِ بين سنتي 1975 و 2005 كذبةً ننقلُها إلى أولادِنا وهم يصدِّقون؟

22 تشرين الثّاني أم تأريخٌ آخرُ؟

يبدو لي أنّهُ أصبحَ من المُعيبِ أو ربّما من العارِ الاستمرارُ بالاحتفالِ باستقلالنا يومَ 22 تشرين الثّاني.

إذْ كيفَ يمكنُنا المقارنةُ بينَ حقبةِ الانتدابِ الفرنسيِّ الّتي انتهت مع استقلالِ لبنان السّياسيِّ في 22 تشرين 1943 -(أقول السّياسيّ وليس العسكريّ، لأنَّ الجلاءَ لم يحصلْ إلّا بتاريخِ 31 كانون الأوّل 1946)- وصرْنا نعيّد ذكرى الاستقلالِ في 22 تشرين الثّاني، وبين حقبةٍ امتدَّتْ بين 1975 و2005 كانَ لبنان وشعبُه خلالَها مقموعًا ومحتلًّا ومُصادَرًا ومُغتَصَبًا من أكثر من دولةٍ ومن أكثر من إقليمٍ ومن أكثر من تنظيمٍ ومعسكرٍ. وبقينا نعيّد ذكرى الاستقلال في 22 تشرين الثّاني، حتّى عندما انتهت الحربُ وانسحبت عشراتُ الجيوشِ من لبنان وبخاصّةٍ الإسرائليّة والسّوريّة منها. لم يتمَّ إدراجُ ذلكَ على أنّه استقلالُ لبنان الحقيقيّ، وبالتّالي عُدْنا – ولم نتوقّف يومًا – إلى الاحتفال بذكرى الاستقلالِ في 22 تشرين الثّاني!!

لا أفهمُ كيف نعيّدُ ذكرى استقلالِنا في 22 تشرين الثّاني عن دولةٍ أَرْسَتْ أُسُسَ جمهوريّتِنا بكاملها وبكافّة مكوّناتها السّياسيّة من دستورٍ ورئيسِ دولةٍ وحكومةٍ وبرلمانٍ ومجلسِ شيوخٍ (حتّى سنة 1927) ومؤسّساتٍ إداريّةٍ وماليّةٍ، ودورِ بلديّاتٍ وقائمقاميّاتٍ ومحافظاتٍ، كما وبكافّةِ مكوّناتِها التّنفيذيّةِ والقضائيّةِ والمدنيّةِ من شرطةٍ وجيشٍ وقوى أمنٍ، ومجلسِ قضاءٍ، وقوانينَ ومراسيمَ تنفيذيّةٍ وبرامجَ تعليميّةٍ، ونقاباتٍ، والتّرخيصِ للأحزابِ... إلخ .

كيفَ نقابلُ ونقارنُ كلَّ هذهِ وتلكَ، بحقبةٍ امتدَّتْ بين 1975 و2005 تمَّ خلالَها حرقُ الوطنِ أرضًا وشعبًا، بتدميرِ كنائسِهِ وجوامعِهِ ومؤسّساتِهِ ومستشفياتِهِ ومدارسِهِ وجسورِهِ ومصانعِهِ ومعاملِهِ، وفصلِ سكّانِهِ دينيًّا ومذهبيًّا وذبحِهم على الهويّةِ، وتهجيرِهم من بيوتِهم وقراهم، واستباحةِ أملاكِهم وأرزاقِهم، واغتصابِ حجرِهم وبشرِهم، وتفتيتِهم إلى مذاهبَ ومللٍ وعشائرَ، وتقسيمِ مناطقِهم وفرزِها وتقطيعِ أوصالِها، وشلِّ الدّولةِ رئيسًا وحكومةً ومجلسَ نوّابٍ، وتعطيلِ القضاءِ وشلِّهِ، وإنشاءِ محاكمَ عرفيّةٍ خاصّةٍ بكلِّ فصيلٍ وحزبٍ وجيشٍ غربيٍّ، فتقضي وتُقصي وتعدمُ؟؟ !!

وتنتهي هذه الحقبةُ، ويهدأُ الزّلزالُ (عسى أن يكونَ قد هدأَ) فكأنَّ شيئًا لمْ يكنْ، وكأنَّها سحابةُ صيفٍ عابرةٍ،

ويضحكُ الجميعُ، والدّنيا بألفِ خيرٍ، وننتظرُ 22 تشرين الثّاني لنعيّدَ الاستقلالَ!

كلَّا وألف كلّا! لا يمكنُ للأمورِ أن تستمرَّ هكذا.

فلنغيّرْ هذهِ الهرطقةَ، وللمرّةِ المليونِ ليسَ دفاعًا عن الحقبةِ الفرنسيّةِ، وقدْ شابَها ما شابَها من تقصيرٍ وأخطاءٍ وهفواتٍ، وإنّما كي يعيَ أولادُنا الّذين ما عادوا يصدّقون هذه الكذبةَ أنَّ الاستقلالَ ليس تاريخًا حصلَ يومًا في الزّمنِ الغابرِ وسيبقى استقلالًا ما دامَ الوطنُ!

لا. فالوطنُ، وفي الفترةِ ما بين 1975 و2005 وصلَ أكثر من مرّةٍ إلى أن يُمَّحى عن الخارطةِ السّياسيّةِ للعالم كما حصل لبولونيا لثلاثِ مرّات عبرَ التَاريخِ.

لبنان الّذي كاد يُمَّحى عن الخارطةِ السّياسيّةِ للعالم، لا يمكن لأبنائه اليوم والّذين عاشوا أزمةَ محوِ وطنهم عن الخارطةِ أن ينسوا من تسبّب بهذه الأزمةِ، فلا يعيّدوا فعلًا لذكرى اندحاره وانسحابه من هذا الوطن وإعادته لهم سالمًا، وأن يعودوا فيعيّدوا ذكرى استقلالهم في 22 تشرين الثاني!!

إنَّ تاريخًا من أربعةٍ يجبُ اعتمادُهُ لاستقلالِنا الجديدِ. وأمّا ما عداه فهرطقةٌ وكذبةٌ على الجيلِ الّذي يتربّى، وعلى الأجيالِ الّتي ستليهِ.

أمّا التّاريخُ الأوّل فقد يكونُ 21 أيلول انسجامًا مع 21 أيلول 1991 تاريخِ إقرارِ القانون الدّستوريِّ الّذي تمَّ بموجبه تعديلُ الدّستورِ اللّبنانيِّ في مدينةِ الطّائفِ، وعُرِفَ في ما بعد باتّفاقِ الطّائف.

وهذا التّاريخُ الحدثُ، يتماهى بشكل يكادُ أن يكونَ نفسه مع 8 تشرين الثّاني 1943 يومَ الجلسةِ التّاريخيّةِ الّتي تمَّ خلالها تعديل الدّستور اللّبنانيّ والّذي أدّى إلى 22 تشرين الثّاني.

أمّا التّاريخُ الثّاني، فقد يكونُ 25 أيار انسجامًا مع 25 أيار 2000، تاريخِ تحريرِ الجنوبِ اللّبنانيِّ من العدوِّ الاسرائيليِّ المُحتلِّ.

هذا العدوُّ الّذي دمّرَ واغتصبَ وقتلَ وشرّدَ، ولا يزالُ يدمّرُ ويقتلُ ويغتصبُ ويشّردُ أرضَنا العربيّةَ منذ سبعين عامًا ونيّفٍ. ويبدو لي أنَّ يومَ تحريرِ لبنان من الاسرائيليِّ هو أبقى وأعمق في نفوسِ أجيالِنا وشعبِنا من يومِ تعديلِ الدّستورِ في 8 تشرين الثّاني 1943 لحذفِ الموادِّ المتعلّقة بالانتدابِ فيه.

أمّا التّاريخُ الثّالثُ، وهو لا يقلُّ أهميّةً أبدًا عن التّاريخ الثاّني أعلاه، فهو 26 نيسان انسجامًا مع 26 نيسان 2005 يومَ خروج آخرِ جنديٍّ سوريٍّ مع آليّتهِ من لبنان، هذا الجيش الّذي استباحَ واحتلَّ واعتبرَ لبنان محافظتَهُ الخامسةَ عشرةَ أو منطقتَهُ الواحدةَ والسّتين.

أمّا التّاريخُ الرّابعُ، وقدْ يكونُ هو الأصحُّ والأجدى،
وهو اليوم الّذي علينا تبنّيه عيدًا لاستقلالنا،
هو يومٌ لم يأتِ بعدُ، ولست أعرفُهُ،
ولست أدري إنْ كانَ أحدٌ غيري في هذا الوطنِ الجريحِ النّازفِ أبدًا يعرفُهُ.
وكيفَ لي أن أعرفَهُ أو يعرفَهُ سواي،
والحاكمُ فينا لا يسألُ؟
والوزيرُ والنّائبُ والضّابطُ والقاضي أعلى من القانونِ وأقوى من الدّستورِ؟
وكيف لي أن أعرفَهُ أو يعرفَهُ سواي،
وأبناؤنا على أبوابِ السّفاراتِ إلى الهجرةِ من هذا الوطنِ هم راكضون؟
وغذاؤنا المجاريرُ،
وشربُنا السّرطانُ،
وهواؤنا السلُّ؟
احتلالٌ في كلِّ مكانٍ، واحتلالٌ في كلِّ ساعةٍ، من الفاسدِ والمنافقِ، ومنَ الصّغيرِ قبلَ الكبيرِ، ومنَ القريبِ قبلَ البعيدِ.
ولا مَنْ يحاسبُ
ولا مَنْ يسألُ. 
ووطنٌ يتآكلُ ويتآكلُ حتّى الاهتراءِ، حتّى الموتِ.
هل من لبنانيٍّ أصيلٍ يساعدُني فيخبرني متى عيدُ استقلالِنا؟!

أمّا وإنّنا بعدَ 21 أيلول 1991، وبعدَ 25 أيّار 2000، وبعدَ 26 نيسان 2005، وتاريخ رابع مجهول نتوق إليه بجوارحِنا، نعودُ مجدّدًا فنحتفل في 22 تشرين الثّاني بعيد استقلالنا، ونشاهد الرّؤساءَ في بذلاتهم البيضاء يستعرضون الجيش والقوى المسلّحة.

فهذه هرطقةُ الهرطقاتِ!!!

وأمّا أن يبقى 22 تشرين الثّاني ذكرى وطنيّةً كبيرةً نُعلّمُها لأولادنا في المدارسِ والجامعات،

فأمرٌ لا يقبلُ أيَّ جدلٍ.

إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعون...
نجيب نعيمه- |ليبانون ديبايت
هل تودّ التعليق على هذا الخبر ؟
comments powered by Disqus
جديد الإعلانات
قسم التصويت
هل تدعم قيام دول " عاصفة الحزم " بعملية برية في اليمن ؟
  نعم
  لا
  لا أدري
  
كود التحقيق: كم هو حاصل 3 + 69 ؟  
  
 
ما يفضّله القراء
الأحدث
من هنا وهناك
الأكثر مشاهدة
آخر التحديثات على الفايسبوك
إعلانات
قسم الكاريكاتير
حالة الطقس
Beirut Weather forecast © weather-wherever.co.uk
جديد الفيديو
ورد الان